الشيخ علي المشكيني
429
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
ولا يخفى عليك : أنّه لا يكون الإجمال في نفس القطع أبداً ، وإنّما يتصوّر في متعلّقه ؛ إذ حقيقة العلم التصديقيّ هو انكشاف النسبة لدى القاطع انكشافاً تامّاً ، فإذا حصل القطع بأنّ أحد الفعلَين واجب أو أنّ أحد الإناءين حرام ، فالنسبة الملحوظة بين الحكم وموضوعه الذي هو عنوان أحدهما منكشفة لدى القاطع لا إجمال فيها . نعم ، انطباق ذلك الموضوع الكلّي على هذا المصداق بالخصوص وتعلّق الحكم به مجمل مجهول ، وهو أمر آخر ونسبة أخرى غير النسبة المنكشفة . فالعلم الإجمالي - في الحقيقة - عبارة عن انضمام جهل إلى علم ، ونسبةٍ مجهولة إلى نسبة معلومة ، ويكون إسناد الإجمال إلى العلم بلحاظ حصوله في متعلّقه لا فيه نفسه ، وإن شئت فقل : العلم الإجمالي هو العلم المتعلّق بعنوان أحد الشيئَين أو الأشياء ، مع كون العنوان غير معيّن ، والعلم التفصيلي ما لا يكون كذلك . تنبيه : إذا حصل العلم الإجمالي بوجوب أحد الفعلَين مثلًا ، فإنّه يتصوّر لكلّ من امتثال الحكم المعلوم بالإجمال ومخالفته مَرتبتان ؛ إذ لا يخلو حال المكلّف عن أحد أمور ثلاثة : فِعلهما معاً ، وتركهما معاً ، وفِعل أحدهما وترك الآخر . ويسمّى الأوّل بالموافقة القطعية ، والثاني بالمخالفة القطعية ، والثالث بالموافقة والمخالفة الاحتماليّتَين . فَفِعل أحدهما وترك الآخر هي المرتبة الأولى للموافقة والمخالفة ، وفِعلهما معاً المرتبة الثانية للموافقة ، وتركهما معاً المرتبة الثانية للمخالفة . ثمّ إنّ في تأثير العلم الإجمالي في إيجاب الامتثال بالمرتبة الأولى أو الثانية أو عدم تأثيره أصلًا ، أقوال : الأوّل : كونه علّةً تامّةً في إيجاب المرتبة الثانية ولزوم الموافقة القطعية ، كالعلم التفصيلي ؛ فلا يجوز - حينئذٍ - ترخيص الشارع في ترك البعض فَضلًا عن الكلّ ، وهذا مختار صاحب الكفاية قدس سره في باب الاشتغال . « 1 »
--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 273 و 359 و 432 .